التفتازاني
29
شرح المقاصد
فالفكرة يهودية الأصل ، وممن روج لها بشر المريسي ، وأبوه يهودي صباغ بالكوفة . ولما عرف الرشيد قوله حلف أن يقتله ، فاختفى طول عهده ، ليظهر بعد ذلك في بلاط المأمون « 1 » . من هنا نرى أن علم الكلام غريبا عن البيئة الإسلامية ، وقد وفد إليها من خلف السدود والحدود ، وكان هذا بداية للغزو الفكري المنظم الذي شنت جيوشه غاراتها بانتظام على هذه الأمة ، فأصابت منها مقاتل ، ولكنها لم تجهز عليها . ومصداقا لما نقول : ما يرويه المؤرخون من أن كتابا ألفه يحيى الدمشقي في القرن الأول للهجرة ، وكان هو ( وتيودور ) أبو قرة يناقشان المسلمين في الدين . وفي هذا الكتاب يدرب النصارى على زعزعة عقائد المسلمين بقوله : إذا قال لك العربي ما تقول في المسيح . . ؟ فقل : إنه كلمة اللّه ، ثم ليسأل النصراني المسلم بم سمي المسيح في القرآن . . ؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيب المسلم ، فإنه سيضطر إلى أن يقول : كلمة اللّه ألقاها إلى مريم وروح منه ، فإن أجاب بذلك فاسأله : هل كلمة اللّه وروحه مخلوق ، أو غير مخلوق ؟ فإذا قال : مخلوق ، فليرد عليه بأن اللّه إذن كان ولم يكن له كلمة ولا روح فإن قلت ذلك ، فسيفحم العربي ، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين وبمثل هذا ظهر الخلاف المدمر ، وتعكر الصفو ، وتفرق الشمل وتعددت الفرق ، وتباينت الأقوال . « 2 » وابن الجوزي في كتابه ( تلبيس إبليس ) يصور لنا ما حدث في الجماعة
--> ( 1 ) راجع تلبيس إبليس لابن الجوزي عند فصل النهي عن الخوض في علم الكلام . ( 2 ) راجع الإمام أحمد بن حنبل : للأستاذ عبد الحليم الجندي ص 406 بتصرف .